محمد متولي الشعراوي
4345
تفسير الشعراوى
لنفسه » وهنا « أفاق » موسى على حاجتين اثنتين ، أفاق من الغشية التي حصلت له من الصعقة ، وكأنّه تساءل : لماذا انصعقت ؟ لقد انصعق لأنه سأل ربنا ما ليس له به علم : فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ ، وساعة تسمع كلمة « سبحانك » اعرف أنّه يراد بها التنزيه للّه من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته - تعالى - أي تنزيها لك يا رب أن يراك مخلوقك ؛ لأن الرؤية قدرة بصر على مرئى ، ومعنى : « رأيت الشئ » أي أن عين البشر قد قدرت على الشئ ، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا اللّه بقانون الضوء ، فهذا يعنى أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبدا ؛ لأن المقدور لا ينقلب قادرا ، والقادر لا ينقلب مقدورا . فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( من الآية 143 سورة الأعراف ) وتوبة موسى هنا من أنه سأل اللّه ما ليس له به علم ، ولأنه لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون ، وأنّ ربنا قد أعطاه بدون أن يسأل ، لقد كلمه اللّه ، فلماذا يصعد المسألة ويطلب الرؤية ؟ ولماذا لم يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها اللّه له ويتنعم بفيض جود لا ببذل مجهود ؟ . ويقرر موسى ويقول : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ، أي بأنّ ذاتك - سبحانك - لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها . لقد شعر موسى ببعض من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ وكأنه قد فهم ما أوضحه الحق له : لا تلتفت إلى ما منعتك ، ولكن انظر إلى ما أعطيتك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 144 ] قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) والاصطفاء هو استخلاص الصفوة ، وقوله : اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ تعبير